ابن أبي الحديد
68
شرح نهج البلاغة
وإذا تكافأ القولان في التقدير وتعارضا سقطا ، ووجب الرجوع إلى ظاهر الخبر ، على أن عثمان مضى مقتولا ، فكيف يقال : إن الله تعالى أماته ، والقتل كاف في انتفاء الحياة ، ليس يحتاج معه إلى ناف للحياة يسمى موتا . وقول صاحب ، ، المغني ، ، يجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة ، ليس بشئ ، لان المروي أنه ضرب على رأسه بعمود عظيم من حديد ، وأن أحد قتلته قال : جلست على صدره فوجأته تسع طعنات ، علمت أنه مات في ثلاث ، ووجأته الست الاخر لما كان في نفسي عليه من الحنق . وبعد : فإذا كان جائزا ، فمن أين علمه أمير المؤمنين عليه السلام حتى يقول : إن الله أماته ؟ وإن الحياة لم تنتف بما فعله القاتلون ( 1 ) ، وإنما انتفت بشئ زاد على فعلهم من قبل الله تعالى مما ( 2 ) لا يعلمه على سبيل التفصيل إلا علام الغيوب سبحانه . * * * والجواب عن هذه المطاعن على وجهين ، إجمالا وتفصيلا : أما الوجه الاجمالي ، فهو أننا لا ننكر أن عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين ، ولكنا ندعى مع ذلك أنها لم تبلغ درجة الفسق ، ولا أخبطت ثوابه ، وأنها من الصغائر التي وقعت مكفرة ( 3 ) ، وذلك لأنا قد علمنا أنه مغفور له ، وأنه من أهل الجنة لثلاثة أوجه . أحدها : أنه من أهل بدر ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إن الله اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم ) ، ولا يقال : إن عثمان لم يشهد بدرا ، لأنا نقول : صدقتم ، إنه لم يشهدها ، ولكنه تخلف على رقية ابنة رسول الله
--> ( 1 ) الشافي : ( القتلة ) ، وفي ب : ( القائلون ) تحريف . ( 2 ) كذا في ا ، ج والشافي ، وفي ب : ( فيما ) . ( 3 ) الصغائر المكفرة : التي يمحى إثمها .